غزة/ آية عبد العال:
بمهدة يدوية تزن نحو سبعة كيلوغرامات، يقضي محمد المدهون ساعات طويلة بين أنقاض مبانٍ دمرتها الحرب المستمرة على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، محاولًا انتزاع قضبان الحديد من داخل كتل الخرسانة، قبل بيعها لتوفير احتياجات أسرته.
لا يبحث المدهون، البالغ(35 عامًا)، عن الحديد باعتباره مادة بناء فحسب، بل عن فرصة عمل في اقتصاد أنهكته الحرب، بعدما تقلصت مصادر الدخل وارتفعت معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة.
وبأدوات بدائية، يخوض المدهون وعشرات العاملين في هذا المجال سباقًا مع الركام؛ يضربون الخرسانة لساعات، ويفككون ما تبقى من الهياكل المعدنية، ثم ينقلون الحديد المستخرج إلى تجار وورش حدادة لإعادة استخدامه، في دورة اقتصادية فرضتها الضرورة أكثر مما اختارها أصحابها.
لكن هذا العمل لا يخلو من مخاطر قد تكون قاتلة؛ فالعامل يقف فوق مبانٍ متصدعة وتحت كتل خرسانية قابلة للانهيار، فيما تبقى مخلفات الحرب غير المنفجرة خطرًا إضافيًا يختبئ بين الأنقاض.
لقمة العيش بين الأنقاض
يقول المدهون، وهو أب لخمسة أطفال ومن سكان شمال قطاع غزة، "إنه بدأ العمل في استخراج الحديد قبل عدة أشهر، بعدما وجد نفسه أمام خيارات محدودة لتوفير احتياجات أسرته اليومية".
ويضيف "أن امتلاك «مهدة» وبعض الأدوات البسيطة يكفي تقريبًا لبدء العمل، لكن ما يبدو في ظاهره مصدرًا للدخل يتحول سريعًا إلى مواجهة يومية مع مخاطر الركام".
ويقول إن أجزاء من المباني المتضررة قد تنهار بصورة مفاجئة أثناء تكسير الخرسانة، فضلًا عن احتمال وجود أجسام ومخلفات خطرة تحت الأنقاض، ما يجعل كل ضربة بالمهدة محفوفة باحتمال الإصابة.
ولا يملك المدهون، في ظل غياب فرص العمل، رفاهية التوقف طويلًا عن هذا العمل، إذ يعتمد على ما يحصل عليه من بيع الحديد لتأمين الطعام والاحتياجات الأساسية لأطفاله.
شاقة وخطرة
من جهته، يقول العامل خالد أبو سالم إن امتلاك «مهدة» يمثل رأس المال الأول لمن يريد دخول هذه المهنة، التي وصفها بأنها «شاقة وخطرة»، مؤكدًا أن الحاجة الاقتصادية تدفع كثيرين إلى المجازفة بحياتهم.
ويضيف أبو سالم لـ"الاستقلال": "شهدت مع صديقي أثناء العمل عدة انهيارات بسيطة، لكن الله سلمنا في كل مرة. ومع كل انهيار أشعر بالخوف وأقرر ألا أعود للعمل تحت هذا الخطر".
ويكمل: "لولا الحاجة لما دفعتنا إلى الاستمرار رغم هذه المخاطر".
ملايين الأطنان من الركام
وتأتي هذه الأعمال في ظل حجم هائل من الدمار الذي خلفته الحرب في القطاع. وتشير تقديرات أممية إلى أن كمية الركام الناتجة عن تدمير المباني والمنشآت في غزة تُقدّر بعشرات ملايين الأطنان، فيما تضررت أو دُمرت مئات آلاف الوحدات السكنية.
ويعني هذا الحجم من الركام أن عملية إزالة الأنقاض وإعادة استخدامها لا تمثل تحديًا عمرانيًا وبيئيًا فحسب، بل أصبحت أيضًا واقعًا اقتصاديًا جديدًا، يبحث فيه السكان عن أي مادة يمكن استخراجها وإعادة إدخالها في الاستخدام.
ومع انهيار قطاعات واسعة من الاقتصاد وتوقف أو تضرر آلاف المنشآت، تجاوز معدل البطالة في القطاع 80 بالمئة خلال عام 2025، مقارنة بنحو 45 بالمئة قبل الحرب، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
وفي هذا الواقع، لم يعد الركام مجرد أثر بصري للدمار، بل تحول بالنسبة إلى بعض السكان إلى مصدر للمواد الخام والدخل، وإلى فرصة محدودة للعمل في ظل انكماش السوق وتراجع مصادر الرزق.
من الركام إلى الورشة
لا ينتهي طريق الحديد عند خروجه من الخرسانة؛ إذ ينتقل من مواقع الهدم إلى ورش الحدادة، حيث تبدأ مرحلة أخرى من إعادة استخدامه.
يشتري محمود مهنا، صاحب ورشة حدادة، الحديد المستخرج من الركام، قبل نقله إلى ورشته لفرزه وتقويمه وتحديد مدى صلاحيته وفق الطول والسمك والجودة والاستخدام المطلوب.
ويقول مهنا لـ"الاستقلال" إن الحديد المعاد استخدامه يدخل في تصنيع مجموعة من الاحتياجات التي فرضتها ظروف الحرب، من هياكل الخيام والمعرشات إلى طاولات المطابخ والأسرة والخزانات وغيرها من المستلزمات.
ويضيف "أن ارتفاع أسعار بعض المواد، إلى جانب صعوبة تشغيل المعدات الكهربائية بسبب أزمة الطاقة، جعل إعادة استخدام الحديد خيارًا عمليًا بالنسبة إلى كثير من السكان، خصوصًا في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار المواد الجديدة."
وهكذا يتحول القضيب الحديدي الذي كان جزءًا من منزل أو مبنى قبل الحرب إلى مادة تدخل في صناعة احتياج جديد، في دورة تختصر المسافة بين الدمار والحاجة.
الحديد مأوى للنازحين
ولم يقتصر استخدام الحديد المستخرج من الركام على توفير مصدر دخل للعاملين أو تزويد الورش بالمواد الخام، بل امتد إلى النازحين الذين يبحثون عن بدائل أقل تكلفة وأكثر قدرة على الصمود.
ويقول صلاح أبو سالم، إنه استخدم قضبانًا انتزعها من المباني المدمرة في صناعة هيكل خيمته، بعدما تهالك الهيكل الخشبي السابق بفعل الظروف الجوية والرطوبة.
ويشير لـ«الاستقلال» إلى أن الهياكل المصنوعة من الحديد تمنح الخيمة قدرة أكبر على مقاومة الرياح والعوامل الجوية، كما أن إعادة استخدام الحديد المتوفر في الركام تخفف من تكلفة شراء مواد جديدة لا يستطيع كثير من النازحين تحمل أسعارها.
اقتصاد البقاء
ويرى المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر أن لجوء الغزيين إلى استخراج الحديد من الركام يندرج ضمن ما يسميه «اقتصاد البقاء»، الذي فرضته الحرب وتراجع النشاط الاقتصادي وانعدام فرص العمل.
ويقول أبو قمر لـ"الاستقلال" إن ما يمكن تسميته «اقتصاد الركام» أصبح أحد مظاهر هذا الواقع، إذ يجري استخراج المواد القابلة لإعادة الاستخدام من المباني المدمرة وإدخالها مجددًا في الدورة الاقتصادية، سواء عبر بيعها أو إعادة تشكيلها أو استخدامها مباشرة في تلبية الاحتياجات الأساسية.
ويشرح أن إعادة تدوير مخلفات المباني في الظروف الطبيعية ترتبط عادة بالاستفادة الاقتصادية والبيئية من الموارد، لكن الحالة في غزة مختلفة، إذ تأتي هذه الممارسات بالدرجة الأولى نتيجة غياب البدائل وحاجة السكان إلى مصادر دخل ومواد يمكن استخدامها في حياتهم اليومية.
ويشير إلى أن انتشار مثل هذه الأعمال الشاقة والخطرة يعكس عمق أزمة العمل والدخل، ويؤكد أن السكان ينتقلون من البحث عن وظيفة مستقرة إلى البحث عن أي مورد يمكن أن يساعدهم على البقاء.
ويحذر أبو قمر من أن هذا النشاط لا يمكن اعتباره بديلًا عن اقتصاد منتج ومستدام، بل هو استجابة اضطرارية لواقع اقتصادي مغلق، مشددًا على أن التعافي الحقيقي يتطلب استعادة حركة التجارة، وفتح المعابر، وإدخال المواد الخام، وتوفير التمويل، وبدء عملية إعادة الإعمار.


التعليقات : 0